إدخلوا وبسرعة كتاب ليلة سقوط بغداد بحذافيره
 

   
العودة   منتديات نبع الحنان > نبع الحنان العــــــامه > نبع الحنان العام
   

الإهداءات


إدخلوا وبسرعة كتاب ليلة سقوط بغداد بحذافيره

نبع الحنان العام


موضوع مغلق
   
 
LinkBack أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
   
قديم 01-10-2012, 06:02 PM   #1


الصورة الرمزية دمعة الم
دمعة الم غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 32070
 تاريخ التسجيل :  Oct 2007
 أخر زيارة : يوم أمس (08:06 PM)
 المشاركات : 18,100 [ + ]
 التقييم :  303
 قـائـمـة الأوسـمـة
11

8هعع


قـائـمـة الأوسـمـة

افتراضي إدخلوا وبسرعة كتاب ليلة سقوط بغداد بحذافيره





بسم [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] الرحيم

السلام [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] ورحمة الله وبركاته

احبائي الاعزاء سوف انقل [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] كتاب
ليلة
سقوط

بغداد
واجزاه الى اجزاء لتستطيعوا قراته

واتمنى ان يعجبكم

البداية
ليلةسقوط
بغداد
(المفقود و المولود في تاريخ خرج و لن يعود)

د.احمد خيري العمري

الناشر : مؤسسة الرسالة ناشرون -بيروت

"كـل الشخصيات الوارد ذكرها في هُذا الكتاب حقيقية.. وكل الحوادث المرتبطـة بالشخصيات هي حوادث حقيقية..
أي تشابه، بين الشخصيات والأماكن الوارد ذكرها، مع شخصيات و وقائع وأماكن معروفة، [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] تشابه مقصود حتماً، وطبعاً، وبالتأكيد.
.. ويتحمـل المؤلف كافـة التبعات المترتبــة [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] ذلك "


محاولة اهداء
.. إليها، بغــداد، الأم – التي عقها اولادها-عسى ان يكون ضمادا لجرحها الاليم

وإليهم.. مهمـا كانوا وكيفما كانــوا .. عســى أن يكون طعنــة في الصميــم..


مقــدمة ، بعــد السقـوط

.. [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] دخلت عيادتي لأول مرّة بعد انتهاء الحرب، كان قد انقضى حوالي ثلاثة اسابيع [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا]
سقوط
بغـداد. وستة اسابيع منذ أن بدءت الحرب. – منذ أن كنت فيها لآخر مــرة..
كان [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] شيء كما تركته فيها لآخر مرّة – في تلك الليلة الحزينة التي سبقت الحرب.. بقايا الشاي في الكوب على المكتب. ودفتر المذكرات مفتوح على صفحة اليوم الذي سبق الحرب، وفيها دونت آخر الملاحظات. وفي الثلاجة، كان لايزال هناك ماء – لم يكن بارداً طبعاً، فالكهرباء غادرت منذ حوالي الشهر . لكنني كنت عطشاناً، فشـربــت..
كان مجرد ماء. مجرد ماء. ذرتان من الهيدروجين وذرة من الاوكسجين. أو هكذا كان يبدو. لكنه لسعني بقوة..
.. لم يكن مجرد ماء. لقد كان ماءً ملئته في القنينة قبل الحرب. أنه ماء نادر، ماء سيظل يتناقص ولن يعود بامكاننا أن نستعيده مهما كان. [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] تصدقوا تلك الدورة الغبية التي لقنوننا اياها في المدرسة. دورة الماء في الطبيعة. هُذا الماء لن يدور. لن يعود. لقد خرج ولن يعود. كنقطة تجري في نهر يجري. كنقطة ماء في محض سـراب..
أنه ماء يفنى، ولا يستحدث – بغض النظر عن كل النظريات.. أنه ماء ما قبل الاحتلال.
.. وكل ماء سنشربه الآن، ونملئ به القناني والاقداح، ونبرده ونرتوي به، سيكون مختلفاً – سيكون مختلفاً حتى لو لم نشعر بهذا الاختلاف..
.. أنه ماء الاحتلال. ماء بلد فقد استقلاله. بلد محتل.. [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] أنه يكون مختلفاً. كما الهواء مختلف. والغبار مختلف. وكل شيء مختلف.
.. إذن كان الماء –وقــت الطاغيــة- أفضل ؟.
لا. لعله لم يكن كذلك. لكنه كانً ماءً تعودنا عليه. تدجننا عليه. تقولبنا على قوالبه واساليبه إلى أن صارت جزءً من روتين حياتنا – وتعـودنا على المـر الذي فيه..
أما الآن، فحتى الماء يبدو اشد مرارة في فمي، كما لو كانت قوات الاحتلال قد وضعت في المياه مادة معينة لتتسرب الينا وتفتك باجسادنا ؟. هل هو سم لن يظهر في التشريح ؟
هل هو السرطان سيظهر بعد عشرة سنوات ؟. هل سيعقموننا ؟. يبيدوننا ؟. [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] أنها مادة تجعلنا كالخراف المطيعة تتقلبهم كجزارين دون أدنى مقاومة..؟
لعلي ابالغ ؟ ربما. أنني متوتر فعلاً. وتوتري يدفعني إلى الوسوسة والشك بكل شيء.
أمامي بندول الساعة وهو يهتز بسرعة مستفزة. بسرعة تزيد من توتري. طالما قال لي مرضاي ذلك. أن هُذا البندول يهتز بسرعة غير طبيعية . كانوا يقولون ذلك عندما يجلسون على

كرسي الاسنان الذي تواجهه الساعة. كنت أقول لهم أن الساعة توقيتها مضبوط، وأن بندولها سرعته طبيعية، لكنهم متوترون بسبب خوفهم من الألم الذي يتوقعونه خلال عملي في اسنانهم.
اليوم يبدو البندول وكانه حفار يغوص في رأسي. يهتز بسرعة ساخرة. التوقيت هو توقيت ماقبل الاحتلال. والبندول يهتز بسرعة. وسط السكون الذي يلف المكان، يبدو البندول كما لو كان لساناً يخرج لي بهزء واستخفاف وسخرية.
.. أود لو أن يقف. اكاد اصرخ بالساعة. اكاد اضربها ليقف هُذا البندول عن الحفر في رأسي.
اذهب لأغسل يدي، اتحاشى النظر في المرآة. اخاف من انعكاس وجهي فيها. بالضبط اخاف أن اجد فيها انعكاسي القديم، لايزال جاثماً بانتظاري. لعله سيلومني.. لعله سيبصق عليَّ، لو رآني..
.. ستنظرون إلي بشك : هـل أنت على ما يـرام ؟. اولاً الماء. ثم البندول. والان المرآة. ربما ستقولون شيئاً مهذباً وتعتذرون وتنسحبون. وتقولون مع انفسكم : لقـد جُـنَّ !
لا لــم أجـن. أنني متوتر فقط، فقد رأيت شيئاً مزعجاً عندما صعدت إلى عيادتي. شيئاً ما كنت اتصور قط أني ساراه يوم تركت العيادة لآخر مرة قبل ستة اسابيع..
مــا هـو هُـذا ؟.
حسناً. لقد رأيت رجلاً يأكل الآيس كريم عند مرطبات الرواد• على الناصية.
.. وماذا في الأمر ؟. رجل يأكل الآيس كريم في "عـز الصيـف". ما المشكلة التي جعلتك تتوتر ؟.
.. في الحقيقة. لم يكن رجلاً فحسب. كانوا مجموعة من الرجال. لكنهم ليسوا أي رجال. كانوا ثلاثة أو أربعة من جنود الاحتلال. يأكلون الآيس كريم وهم مدججون بكامل عدتهم العسكرية، مدججون بادوات احتلالهم، ادوات اذلالنا، بحكمهم المسبق علينا، وبنظرتهم المسبقة وافكارهم الثابتة..
عند ناصية الرواد – وقف جنود الاحتلال، يأكلون الآيس كريم.
.. اكلت أنا العلقم. تجرعته بمرارة..
أمر لن يفهمه إلا من شب وكبر ليصير ركن الرواد جزءً من زوايا ذكرياته واركان حياته.. –كمــا أنـا-

ذلك اليوم : آيس كريم لجنود الاحتلال. وعلقم مرير لي، قبل أن أصعد إلى العيادة..
*******************
شق صوت الآذان، سكون الصمت المحيط .. بدا صوت الآذان غريباً. وحزيناً. ومألوفاً في [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] نفسه..
كان نفس الصوت الذي تعودت أن اسمعه يرفع الآذان على مدى الاربع سنوات السابقة. لكنه كان منكسراً، ذليلاً، اسيراً هذهِ المرّة.
كان مخنوقاً متحشرجاً، كما لو كان على وشك الاجهاش بالبكاء..
لا بأس بقليل من الانكسار، في الصوت الذي يرفع الآذان. لكن عندما يكون للذي توجه له الصلاة..
أما هُذا الصوت، فقد كان انكساره مختلفاً، كان مشوباً بذل يشبه ذلك من أجبر على رؤية زوجته وهي تغتصب وينتهك عرضها..
.. كان ذلك مفهوماً تماماً .. العلقم ايضاً..
****************************
.. عندما دخلت حرم المسجد وجدته موحشاً مظلماً. كانت هناك بعض الوجوه المألوفة، لكن كان فيها شيئاً غير مألوف..
فكرت أنهم ربما يفكرون بالشيء ذاته نحوي.
.. وعند [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] بكيت، تذكرت آخر مرّة صليت فيها قبل الحرب، صلاة العشاء، عشية الحرب –العشــاء الأخيــر !-.. وتذكرت دموعي وقتها.. اشفقت على نفسي. أبكي قبل الحرب. واثناء الحرب. وبعد الحرب. ماذا ستكون النتيجة مع هُذا البكاء غير هُذا الاحتلال والاذلال.. غير هُذا العلقم الذي أجده على لساني أينما ذهبت ؟؟..
**************
.. وعندما خرجت من المسجد، انتبهت إلى صورة ملصقة على بابه. أنه اعلان عن فقدان شاب. من هو ؟ مجرد شاب آخر. اسمه من تلك الاسماء المألوفة الشائعة : فراس عبد الجبار. كان معي، في المدرسة، على الاقل ثلاثة أصدقاء بهذا الاسم. ولزوجتي ايضا ابن عم يحمل الاسم ذاته.
قرأت التفاصيل. كان الاعلان يرجو من يمتلك [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] عن هُذا [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] أن يدلي بها عند عنوان معين، "وله الاجر والثواب".




.. كان الاعلان يقول ايضاً أنه فقد في منطقة الدورة، بتاريخ معين..
تأملت التاريخ، 8/4/2003..
أنـها ليلــة سقــوط بغــداد ..
كان الأمر واضحاً جداً. لكن ليس بالنسبة لمن ألصق الاعلان. كان من الواضح أن الشاب قد قتل، وأن واحداً من اولاد الحلال قد دفنه – كمــا حصل للمئـات- وكان من الواضح أن أمه، التي ربما ابيضت عينها من البكاء عليه – ترفــض أن تصـدق- ولا تزال تقف قرب الباب تنتظــر..
تأملت في صورته. كان يبدو أنه في اوائل العشرينات من عمره. وكان مبتسماً في الصورة. ربما كانت الصورة قد التقطت بمناسبة تخرجه..
.. كانت ابتسامته جميلة. ليست على شفتيه فقط. ولكن أيضاً في عينيه..
كان وسيماً. ليس كوسامة نجوم السينما والمشاهير. ولكن كوسامة اولاد الناس الطيبين. اقرباؤكم واقربائي. اصدقاؤكم واصدقائي. أنه يشبههم جميعاً –بشكـل غامـض- يشبهني أنا ايضاً – قبـل عشـر سنــوات- عندما كنت في مثل سنه، وكنت نحيلاً مثله..
كان يشبهنا جميعاً . ذلك الجيل المحبط المضلل المهزوم..
فجأة، وجدت الصورة وقد صارت بمثابة صورة جماعية اصطففنا كلنا لنلتقطها : نحن المخدوعون. نحن المضللون. نحن الاسرى المهزومون..
تأملت في ابتسامته على الصورة : لمن كنت تبتسم يا فراس ؟ للكاميــرا !؟؟ للمصور وتعليماتــه ؟.
للمستقبل الذي كنت تريده لنفسك ؟ للاحلام الوردية التي تناسب سنك ؟ للشعارات الزائفة ؟. للمنافقين الذين يرددونها ؟. لأولئك الذين –بـاعــوك- وهربوا ؟ لأولئك الذين كانوا – أول من استفــاد وانتفـع و لكن ايضا اول من هـــرب ؟..
هل كنت تبتسم لأمــك ؟. لحنانها، لحضنها المضمون دائماً.. لو أنك تراها الآن يا فراس .. لو أنك تراها..
.. أم لعلك كنت تبتسم لفاعل خير مجهول، سيأتي ليواريك التراب، وانت ملقى هناك، ميت في العراء..
.. (أم لعلك كنت اوعى مما نتصور. وكنت تبتسم لتلك الحقيقة، حقيقة أنك صرت شهيداً، هناك عند من لا يجوع عنده ولا يشقــى..)
فراس عبد الجبار، خرج ولم يعد.
ليلةسقوطبغداد
..
.. وهُذهِ هي رحلة البحث عنه. وعنا.. وعنكم ايضاً..


وان شاء الله ساتابع معكم نقل هذا الكتاب الرائع بحقائقه الواقعية

وبالسماح من من الدكتور مؤلف الكتاب بالنسخ واقدمه لحضراتكم


يتبع





 
 توقيع : دمعة الم







قديم 01-10-2012, 06:03 PM   #2


الصورة الرمزية دمعة الم
دمعة الم غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 32070
 تاريخ التسجيل :  Oct 2007
 أخر زيارة : يوم أمس (08:06 PM)
 المشاركات : 18,100 [ + ]
 التقييم :  303

قـائـمـة الأوسـمـة

افتراضي




انها الحرب!



انها الحرب!
عشرة ايام منها ..
لكن [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] شيء قبلها يبدو بعيداً ومغبشاً كما لو كان في عمرٍ آخر وحياة اخرى لاشخاص آخرين.
بالكاد عشرة ايام!!
لكننا جميعاً اصبحنا اناساً آخرين في هذهِ الايام العشرة. صهرتنا الحرب وغيرت ملامحنا وذوبت كل حياتنا السابقة.. وفي عشرة ايام فقط .. ان لم يكن قبلها .. صارت حياتي السابقة وتفاصيلها الكثيرة كلها بعيدة كما لو كانت حلماً لست متأكداً متى رأيته، بل أنني لست متأكداً حتى لو كنت أني قد رأيته حقاً..
كل شيء صار يبدو بعيداً بعيداً جداً، كما لو كان صورة عالقة في ذاكرة طفل يتيم لأمه الراحلة.
كل شيء صار يبدو مختلطاً وغير واضح، مثل حبة سكر وقد ذابت في برميل كبير للقهوة.
كل شيء عن حياتي السابقة قبل بدء الحرب صار يبدو كما لو كان [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] علاقة لي به اليوم، عيادتي الخاصة وعلاقاتي واعمالي وصداقاتي واهتماماتي.
كل شيء يبدو بعيداً عن آلاف الأميال، ويزداد بعداً – كل يوم- ميل بعد آخر.. بعد آخر.
كل شيء يبدو أنه كان يهم شخصاً آخر بعد عشرة ايام [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] الحرب.. وعندما سألتني زوجتي وهي تهم بتفقد روضتها – اذا كنت سأذهب لتفقد عيادتي؟- ارتعبت كمن قالوا له ان [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] الباب يوجد شخص يطلبه، وقد كان يتوهمه مات منذ عدة عقود ..في اعماقي، وبشكل لاواعي ولا ارادي تماماً – يوجد شخص لم يعد متأكداً الا من الحقائق الشاخصة امامه، لم اعد متأكداً من ان عيادتي لاتزال واقفة في مكانها الخطر ذاك، ولم اعد متأكداً من ان اصدقائي
– هيثم او اثير او آزر- لايزالون اصدقائي، لست متأكداً من انني ذات الشخص الذي كنته..، والذي بذل ومنح وصدق واحب وكره.. فجأة تقلص عالمي، وخصوصاً بعد انقطاع الاتصالات، وجدت نفسي والارض تضيق علي بما رحبت.. وجدت الحقائق في حياتي تقل عدداً وتتضخم حجماً..
فجأة غادرت عالمي التفاصيل – وما كان اكثرها في حياتي السابقة- ولم تعد هناك سوى حقائق قليلة متناثرة – الملمها من بعثرتها لأشكل صورة شاخصة اراها بوضوح وتمييز..
وفي كل مرة. الملم الصورة من شتاتها لا ارى سوى ذلك الصاروخ الحاد النصل يتهددني واولادي…
لا. ليس يتهددني واولادي فقط. ولكن يتهدد كل قيمي وكل معتقداتي وكل كياني وكل ارضيتي وكل ماضيً وكل مستقبلي…
وفي كل مرّة، أعيد لملمة الحقائق، لعلي ارى في الصورة تفصيلاً أخرا يعلمني كيف اقاوم نصل الصاروخ الذي يتهددني واولادي ومدينتي.
ولولاه، لولا يقيني انه لن يخذلني، وانه لن يتركني، وانه لن يخونني، لولا يقيني انه سيخرجني من بطن الحوت، لأنهرت مثل رصاصة طائشة سقطت [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] شاطئ نهر جاف..
*********************
اليوم العاشر
والمقاومة ضارية، وشرسة، وغير متوقعة.. او انهم يقولون انها لم تكن متوقعة.. بالضبط كمن توقع من القطة ان تسترخي مخالبها وهي تراهم يسرقون صغارها..
نعم. المقاومة ضارية، وشرسة، والدماء الحمراء التي تسيل هناك في الجنوب بيضت وجوهنا..
ولكن، رغم ذلك، في شريعة الغاب السائدة منذ عصور – والمكرسة اليوم كما لم تكرس ابداً – منطق القوة يفوق منطق الشجاعة.
وسينضب [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] اولئك الشجعان الذين ما اعطيناهم حقهم يوماً.
.. .. وسيقترب الغزاة اكثر، فأكثر، فأكثر.
وبعد أيام، او أسابيع، سيتمكنون من تطويق المدينة.
.. وسيحاصرونها..
سيحاصرونها.سيحاصرونها..
************
انه اليوم العاشر من الحرب فقط
والعذاب [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] ان تجلس في بيتك وحولك صغارك لتنتظر الحصار الذي قد يدوم لأشهر سنرى فيها من القصف والترويع والتجويع ما لايعلمه الا [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] وحده.. والهول هو ان العدو الذي يزحف –ببطء نعم، مثخناً بجراحة نعم، [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] لايمثل عدواً يريد امتلاك ارضك وثرواتك فحسب،- وبشكل عابر-.. بل هو عدو يريد تمريغ انفك – وانف قيمكوانف معتقداتك وانف دينك – في تراب موحل قام بتقذيره بنفسه.
الهول هو ان العدو الذي يزحف – هو عدو بشكل شخصي – عدو حاربت قيمه وثقافته ومعتقداته طيلة حياتك، وفجأة ويا للمفارقة، جاء ليحاربك في باحة دارك.. هذهِ المرّة حرباً حقيقية – ليس بالغزو الثقافي – ولا عبر القنوات الفضائية .. ولكن جاء مدججاً بأسلحته ودروعه وتقنياته.. ليقصف وينهب ويقتل ويسلب و يدفع برجله باب دارك..
,, والامتحان هو ان تصمد.
أن تصمد . أن تصمد.
وان لا يتحول أسد القيم الهصور إلى فأر متخاذل مذعور..
.. وان لا تسود وجهك برفع تلك الراية البيضاء المرهقة الذل..
.. وان تصمد.
أن تصمد.
***********
.. الصمود!
.. والصمود في مدينة تتعرض للقصف في كل ساعة، - حتى لا اقول كل دقيقة وتنتشر فيها سحب الدخان الاسود المحترق – مسألة فيها وجهة نظر..
الصمود..
والصمود في مدينة يهجرها أهلها باستمرار، وتلاحظ في كل يوم بيتاً جديداً في الحي قد أحكم بأقفال أبوابه الخارجية – كدليل على ان أهله قد تركوه، هو مسألة تستحق الوقوف والتأمل.
.. والصمود في مدينة مهددة بالحرق حياً بعد آخر، وبالقصف المكثف بالقنابل العنقودية بيتاً بعد آخر، بل وحتى بالخنق بالغازات السامة نفساً بعد آخر.
.. وكحل أخير، لن يتورع عدوك ان يستخدم سلاحاً ذرياً، يقضي عليك ذرة بعد أخرى.
والصمود هو ، أن تعرف ذلك كله، تسمعه كل يوم مائة مرة – وتعيه وتعي عواقبه، ورغم ذلك كله، تحتضن أولادك حولك، وتزم شفتيك، وتكز على أسنانك.. وتقرر آن تبقى.. وان تصمد في مدينة رغم أنها مهددة بالحرق والفناء.
**********
.. والصمود، قبل كل شيء، ليس حياداً سلبياً، ليسَ ان لا تفعل شيئاً، فقط ان تنتظر وتحاول البقاء على قيد الحياة بأنتظار ما ستؤول اليه الأمور..
الصمود مسألة معقدة.
الصمود قضية. الصمود عقيدة. الصمود حكاية طويلة قد يستغرق إعدادها حياتك بأكملها – ربما يجب ان تستمر كل حياتك لتمنحك (مؤونة) لصمود أسبوع او اثنان أو عشرة أسابيع.
الصمود بعد نظر.
الصمود [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] بعيدة المدى..
الصمود، هو ان تبحث في أركان البيت عن مكان قد يحمي أولادك إذا سقطت عليه قذيفة، وان تتأمل في السقف لتبحث في أحجاره عن واحدة تتخيلها اكثر حناناً على جباه أطفالك.
الصمود هو ان تحسب قناني الماء الموجود، وتنظر الى خزاناتك، وتتأمل في البئر الذي حفرته في الحديقة (وانت تعرف ان مائه غير صالح للشرب)، وانت تعرف ان الصيف قادم – ولكن، مع ذلك، تزم على شفتيك .. وتقول: سأبقى..
الصمود هو ان تبقى. ان تحسم انت امرك بينما يحزم الآخرون حقائبهم، وبينما يذهبون ليأجروا غرفة صغيرة في اقصى الغرب او اقصى الشمال، تذهب انت الى الطرف القصي من بيتك ويداك على اولادك، وعيناك تتجهان صوب عين الله وشفتاك تتمسكان بأسمه..
الصمود هو ما تكتشف فجأة، انك تستمده منه بالذات، وبشكل شخصي، ومن اسمه بالذات : الصمد..
الصمود، هو ان تبقى من اجل اولادك – وبينما يقول [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] الاخرون معتذرين انهم يغادرون من اجل اولادهم، تبقى انت من اجلهم.. وتصمد انت من اجلهم..
وفي شدة العاصفة، تتمسك انت بجذع الشجرة، من اجلهم..
وتحت القصف، في عز القصف، وعنف القصف، تقف انت [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] السقف، وهو ربما يهتز – لاتشك انت لحظة في صواب قرارك، وتصمد..
***********
.. من اجل اولادي – ايضاً، بطريقة او بأخرى، قمت بأحضار خالاتٍ لي، ليكونوا في امان نسبي في منزلي، طيلة فترة الحرب..
في الحقيقة ان [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] احضار غير دقيقة، فقد تطلب الامر وقتاً غير قليل، قبل ومحاولة اقناع عجائر في السبعين من اعمارهن بالخروج من منزلهم، هو بالذات حرب.. حتى لا اقول جهاد..
.. وبعد مناورات طويلة، استراتيجية وتكتيكية، واخذ ورد، وعهود ومواثيق، بل وحتى تهديدات، توصلت الى اقناعهم، وتظاهرن هن، بأنهن اقتنعن فقط من اجلي، حتى لا اضطر للخروج يومياً للاطمئنان عليهن في ظل ظروف الحرب.
وفي الأمسية التي سبقت الحرب، وقد كانت امسية مفجعة بهدوئها وقاتلة بأستسلامها- ذهبت لاحضارهما، لكني احضرت واحدة فقط – لأن سيارتي في الحقيقة لم تكفي لحاجياتهما معاً- فقد استنفرت خالاتي كل خبراتهن في الخزن والاخلاء والامداد والتموين- وهي خبرات موروثة من عهود الحروب والازمات السابقة- في الاعداد لحاجات وامتعة ملئت السيارة- وايضاً شقتي الصغيرة- وتبين لنا- حتى الان، انها غير ضرورية.
وبينما كنت انقل الامتعة، وكانت السيارة الاخرى التي ستقل خالتي الاخرى وامتعتها قد وصلت، كانت واحدة من خالاتي تتذمر من عدة اشياء دفعة واحدة. مني، ومن عجلتي، ومن خالتي الاخرى ومن الامتعة المبعثرة في كل مكان، ومن خوفها على قطتها التي ستتركها وحدها.
.. وكانت تتذمر ايضاً – حتى دون تقول- من هذا الوضع الذي يدفعها الى ترك منزلها.. ومنزل والدها.
.. في الطريق الى المنزل، عددت خالتي عدد المرّات التي اضطرت الى ترك المنزل واللجوء الى الاقارب بسبب الحروب او الازمات السياسية التي مرَّ بها البلد في العقود السبعة الماضية..
.. كانت خمس او ست مرّات –عدا هذهِ المرّة، تركت كل منها خطاً من التجاعيد على ذلك الوجه الذي كان نضراً يوماً ما – وربما لحد الآن رغم آثار الزمان- لكن التجاعيد التي تركتها الازمات والحروب كانت مختلفة، تكاد تصيح : ها هنا انا مختلفة ومتميزة : مزيج من الصبر والتحدي والتحمل والمرارة والاستسلام الشجاع للقدر الذي لا مفر من الاستسلام له..
كان منزل جدي – الذي تقطنه خالتاي وحيدتان منذ وفاته في اواخر السبعينات يقع على ضفة النهر قرب محطة الاذاعة والتلفزيون، الامر الذي جعله مستهدفاً دوماً في كل الانقلابات والازمات والاضطرابات السياسية التي شهدتها البلاد. ناهيك عن الحروب.


يتبع



 
 توقيع : دمعة الم







قديم 01-10-2012, 06:04 PM   #3


الصورة الرمزية دمعة الم
دمعة الم غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 32070
 تاريخ التسجيل :  Oct 2007
 أخر زيارة : يوم أمس (08:06 PM)
 المشاركات : 18,100 [ + ]
 التقييم :  303

قـائـمـة الأوسـمـة

افتراضي



كان منزلاً [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] الطراز القديم. واعني بالطراز القديم ذلك الطراز الذي يستوجب وجود طاقم كامل [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] الخدم والحشم لادامته وخدمته وخدمة سكانه، بوجود اكثر من ثمانية عشر غرفة في البيت -عدا اجنحة مستقلة ومنفصلة للخدم- وهو الامر الذي كان متوفراً في وقت ما، كان والدهن –الذي [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] جدي، ثرياً الى حد كبير، وكان بالاضافة الى ذلك سياسياً تقلد مناصب وزارية عديدة ولعدة مرات في العهد الملكي، وكان ايضاً صاحب مجلس ادبي وسياسي يؤمه [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] القوم واشباههم والمتملقين حولهم، وكان وجود عدد من الخدم والحشم جزء مكملاً لأكسسوارات الوجاهة [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] ما أظن. وفي وقت ما –غابر وبعيد ولا اذكر أي شيء عنه- كان هناك طباخان سائقان، عدا الحرس وخدم التنظيف,
لكن الزمن تغير طبعاً. والمجتمع الذي ضم امكانية وجود اكسسوارات كهذه لم يعد موجوداً. طارت الوزراة، وطار علية القوم- (وجاء بدلاً عنهم آخرون سيعيدون [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] ذاتها فيما بعد) –وذهب المتملقون ليمارسوا نفاقهم ومراهنتهم في مجالس اخرى، وتآلكت الثروة طبعاً – ونشأ مجتمع لم يعد فيه هناك امكانية لممارسة تشاوف كهذا بهذا العدد الكبير من الخدم ]كان ذلك لثلاثة عقود فقط، ثم عاد بأشد مما كان عليه..[ ، وبالتدريج تقلص عدد الخدم الى ثلاثة او اربعة (فقط !) –مما كان يبدو ضرورياً جداً ولا غنى عنها حتى في السبعينات…
ولاتزال ذاكرتي تحتفظ بصورة : طباخ عجوز، وحارس متهالك، وسائق شاب يتبدل بأستمرار بسبب مشاكل السيارة..
بعد وفاة جدي، تغير الأمر، وتغير المجتمع أكثر، لكن الامر كان غير ذلك بالنسبة لخالاتي. يستطيع الخدم ان يولوا ظهورهم، ويستطيع المنافقون ان يكفوا عن المجئ، ويستطيع جدي ان يموت (إذا شاء !) لكن شيئاً من ذلك لم يجعلهم يتركون المنزل..
كان تمسكهن به عجيباً واستثنائياً ونادراً، مزيج من الوفاء والتحدي والتمسك بالزمن الذي راح والعمر الذي راح والناس الذين راحوا، مزيج من التشبث بالماضي من اجل ان يستمر ويصير مضارعاً حاضراً في [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] حين –انه رهان خاسر طبعاً ومحاولة محكومة بالفشل. لكن ليس بالنسبة لهن،.. وفيما يتعلق بالبيت : انا ها هنا قاعدون.
.. ومع مرور الوقت، لم تعد المسألة مسألة طراز قديم او حديث. بل صارت طبيعة المكان مختلفة، فمع توسع بغداد الشديد، ونشوء احياء سكنية حديثة وراقية، فرغت الاحياء البغدادية القديمة من سكانها العتق، الذين فسحوا المجال لنوع [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] من السكان، وادى ذلك الى انحدار مستواها –اجتماعياً- اكثر .. فأكثر.. فأكثر.
لكن ذلك ايضاً لم يفت في عضدهن وتصميمهن على البقاء، كما لاينفكن يتذمرن من الجيرة ومن سوئها ومن القاذروات امام الباب ومن كل شيء –لكن ذلك لم يكن معناه ابداً- ولا حتى جدلاً- التفكير في الخروج من المنزل.. وكانت أي ملاحظة او نصيحة او حتى نقاش تبذل من أي من الاصدقاء والاقارب في هذا الصدد تواجه [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] بالصد فحسب، بل بالعداء المستحكم ايضاً- بل بالتشكيك في نية الشخص صاحب النصيحة، وربما بالشطب الابدي عليه- إذا الح في الجدال..
وللأنصاف، فنصيحة كهُذه كانت دوماً لها وجهة نظر، خصوصاً في العقد والنصف الاخير.. حيث ادت التحولات الاجتماعية المصاحبة للحصار الى زيادة حالات السرقة المسلحة وغير المسلحة، وكان وجود بيت معروف بالثراء القديم لاصحابه –محاطاً ببيئة مختلفة وشبه معادية- وتسكنه امرأتان وحيدتان، وله منافذ متعددة على شاطئ النهر، ومداخله كثيرة ومخابئه أكثر، كان [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] لكل ذلك ان يكون مغرياً للصوص، وقد امسكت خالتي وحدها باثنين منهما في حادثتين منفصلتين – مجلجلتين.
في الحادثة الاول، اقتحم عليها اللص الذي كان يكثر من مشاهدة افلام الحركة الاجنبية على ما يبدو، إذ كان مرتدياً لجورب نسائي في وجهه، دخل عليها غرفتها بينما كانت تقرأ القرآن، واقترب منها بهدوء ليكممها على ما يبدو، لكن رد فعلها لمشاهدته كان على غير ما يحدث في تلك الافلام، فبدلاً من الاغماء المعتاد او الاستسلام المنشود، كان ان انشبت اظافرها في العمق من رقبته وكان ذلك مفاجئاً له ولخطته، فانطلق هارباً لايلوي على شيء، تاركاً جزء من جلده [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] اظافرها.
رد فعلها في الحادثة الثانية كان حتى اقوى، ففي ذات ليلة كانت تعاني من الارق وذهبت لتشرب في الحمام، وهناك وكما يحدث في افلام الرعب، وجدت في المرآة، بالاضافة الى وجهها وجهاً آخراً، لشخص يختبئ خلف الباب، تسلل على ما يبدو خلال ساعات الليل الاولى، واختبئ في الحمام منتظراً السكون ليسرق ما يستطيع سرقته.
وماذا كانت رد فعلها ؟. لاشيء مما يحدث في افلام الرعب. امسكته من يده –ما الذي جاء بك الى هنا ؟– وارشدته الى الباب الخارجي وسط وابل من السباب والشتائم من العيار المتوسط مما لا يتنافى مع مستواها الاجتماعي .. ((لو انكم ترونها. صغيرة الحجم – دقيقة البنية. لاتكاد تقوى على الوقوف في الحالات الاعتيادية دون ان ترتجف بطولها. لكن قارن ذلك بردود افعالها مع من تتصور انه يعاديها.. انها قطة مستنفرة على الدوام. حادة الطبع صعبة المراس، علمتها رؤيتها للاشياء ان تكون مخالبها جاهزة دوماً- لكن للدفاع عن النفس.))
.. تحت المخالب يوجد عطاء بلا حدود. عطاء اسطوري في عصر يصف الاقارب –عموماً- بأنهم عقارب، كانت خالتي تلك –القطة المستنفرة- خيمةً لنا في اوقات شدة عديدة وصعبة – وخلف تلك الحدة يوجد حنان قد لايلاحظ فوراً- لكنه يتجاوز تفاصيل [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] التقليدي واساليبه السريعة الذوبان، ليحضر في العمق من تاريخ الشخصية.
.. في تلك الامسية، بينما كانت خالتاي توزعان امتعتهما- كنت احاول ان افكر بهدوء – والحرب تكاد تبدء خلال ساعات، كنت احاول ان ارتب افكاري، كنت اعي انني اعيش لحظات فاصلة، وان الذي سيأتي لن يكون كالذي راح ابداً –وانه منعطف حاد الذي اشهده، بل تقاطع طرق لن يتكرر دوماً.
كنت اعلم – انهاحرب فاصلة. وانها ليست كالحروب السابقة- دون ان يبخس ذلك شيئاً منها، معاذ الله..
لكنها حرب مختلفة : بعد ان يهدأ كل كل شيء، - إذا هدأ !!- ستكون الحرب اقوى، وستطال كل مالم يستطع القصف ان يطاله.
ستكون الحرب بعدها موجهة للبنية الشخصية، بعد ان طال القصف والطائرات البنية التحتية..
ستكون الحرب موجهة نحو كل القيم والعقائد التي جاءوا اصلاً من اجلها .. وبعد ان ينتهي القصف، ستبدء الحرب الحقيقية..
فكرت بذلك والحرب لم تبدء بعد، وفكرت ايضاً إذا صمد السقف بوجه القصف
- علينا نحن ان نصمد ايضاً بوجه الحرب على القيم والمبادئ.. وفكرت ايضاً، واولادي يتحلقون حول الخالات، انهم يريدون ذلك ايضاً، يريدون هذه اللمة وهذا التماسك، يستهدفون بالذات هذا النسيج الاجتماعي الذي يجعل خالاتي يلتجئن عندي في ظروف كهذا،.. فالنموذج الذي يريدون ترويجه لايجعل ذلك ممكناً، بل يجعل مكان خالاتي في دار للمسنين حسب الطراز الغربي، ويجعل كل فرد منغلقً على نفسه وعائلته الصغيرة- و هو يصيح : نفسي نفسي.
انهم يريدون عمق النسيج الاجتماعي. وقد كانوا دوماً يريدون ذلك، صحيح انهم يريدون النفط وبعض الامور الاخرى. لكنهم يستهدفون ايضاً ما هو اهم من ذلك، انهم يريدون تلك البنية التي يمكن لها ان تستثمر –يوماً ما- النفط والاشياء الاخرى



 
 توقيع : دمعة الم







قديم 01-10-2012, 06:05 PM   #4


الصورة الرمزية دمعة الم
دمعة الم غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 32070
 تاريخ التسجيل :  Oct 2007
 أخر زيارة : يوم أمس (08:06 PM)
 المشاركات : 18,100 [ + ]
 التقييم :  303

قـائـمـة الأوسـمـة

افتراضي




عشية الحرب، وانا افكر بملئ آذان اطفالي بسدادات تقيهم اصوات الانفجارات المرتقبة، فكرت بصمود خالاتي في منزلهن عبر تعاقب الازمات، فكرت بتمسكهن به، ورفضهن التخلي عنه بلا هوادة.. بلا جدال.. بلا نقاش.. عشية الحرب، ذكرت في المعنى [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] ذلك الذي يرتسم امام عيني قبل ساعات من بداية القصف.
ذكرت اننا ربما نحتاج ان نتعلم منهن – دون حذلقة خطابية وتصعيدات عاطفية- عن الصمود والتمسك..
بدا بيت جدي القديم – والآيل للسقوط في بعض اجزائه- والغير صالح للسكن حسب بعض المقاييس – بدا وكأنه رمز لكل ما ورثناه ولكل ما يريدوننا ان نتخلى عنه..
نعم، كما بيت جدي يحتاج إلى اصلاح وربما الى اعادة بناء في بعض أجزائه، فأن موروثنا كذلك يحتاج الى غربلة واعادة نظر. بعض اجزائه آيلة للسقوط وتحتاج الى ازالة. وبعض اجزائه تحتاج الى ترميم. وبعض اجزائه تحتاج الى نسف من الجذور وبعض الاجزاء يجب ان تضاف اليه..
لكننا يجب ان نصمد. يجب ان نتمسك، ورغم وعينا بالعلل والمشاكل في موروثنا، يجب ان نتشبث..
.. وفي ادمغتنا، [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] قشرتها الرقيقة، يجب ان تنمو لنا تلك المخالب التي تدافع بها القطط عن صغارها إذا هاجمها احد، قططاً مستنفرة يجب ان نصير، ندافع باظافرنا عن وجودنا وقيمنا .. وكيونتنا .. دونما خطابات، كانت خالتاي مثلاً حقيقياً عن امكانية ذلك –صحيح انه مثل يحتاج الى تعديل وتصحيح -.. لكنه مثل واقعي..
فكرت مع نفسي، بل تفلسفت قليلاً، عشية الحرب، وانا ارى احتفال اطفالي واحتفائهم بخالتاي..
وبعد بضعة ساعات، بدء القصف.
****************************************

بعد بضع سنوات من الآن، ستتسرب تقارير صحفية من واحدة من كبريات الصحف الغربية، لسبب او لآخر، وستورد تفاصيل بعضها مأخوذ من [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] من هنا كلمة من هناك، وبعضها مدعوم بوثائق وارقام وحسابات ارصدة مصرحة، وبعضها اعترافات صريحة لأناس عرفوا وسكتوا وقرروا –ان يتكلموا- لسبب او لآخر..
ربما لن تتضح الصورة من تقرير صحفي واحد، لكن تقريراً سيجر اخراً، [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] منهم سيضيف جزءً من الصورة اليها..، وستتكامل الصورة بالتدريج، لتفضح عن اصل ومنشأ ذلك الصاروخ الحاد الذي يتهددني واولادي.. وقيمي..
ستكون هناك شركة ضخمة للسلاح، يعاني مديرها من بعض المتاعب، ويحتاج الى ان يروج لبضائعه بشكل فوري وحاسم، وماذا افضل من حملة دعائية للاسلحة الحديثة غير تجريبها عبر حرب حقيقية ؟..
لذلك وجد هذا المدير ان رش الاموال يميناً ويساراً في بعض اروقة ادارة سياسية ما، سيكون اضمن – وحتى اوفر- من اجل التخلص من متاعبه..
وستكون هناك شركة نفط عملاقة (شيفرون او شل او كلاهما !)- حسبت الامر بدقة ووضوح، و وجدت ان الامر بدء يتسرب من يدها، وان البساط سينسحب من تحت اقدامها لصالح شركات نفط منافسة، فقررت ان الهجوم افضل وسيلة للدفاع، وان (فاز باللذات من كان جسوراً)، وبدلاً من المناورة والمساومة التقليديتين، قررت ان تقفز لتصحح الخطأ الجغرافي الذي جعل بحيرة النفط يقع عندنا [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] عندهم، وعينت واحداً من موظفيها في ذلك المركز الحساس، واعطت عمولة ضخمة هنا، و وقعت [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] صك [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] بياض هناك .. واكرمت هذا، وانفقت على ذاك، وهددت فلان بما لديها من الصور والوثائق، واغرت علان بمنصب ما في الفترة القادمة..
ستكون هناك شبكة اعلامية ضخمة (فوكس نيوز او سكاي نيوز ؟) وقد جهزت نفسها لتتصدر المحطات الاخبارية واشترت حقوق التغطية الحصرية من البنتاغون، ودفعت من اجل ذلك مبالغ طائلة املاً في الحصول على اعلى نسب المشاهدة، التي تعني، ضمن ما تعني، اعلى اجور في الاعلانات المدفوعة الثمن..
.. وسيكون هناك موظف ما في حملة انتخابية قادمة، ذكي وطموح وافكاره جرئية الى اقصى حد، وجد ان الامور سيئة الى الحد الذي لايمكن معه ان يعاد الانتخاب، الا بمعجزة او بفلم هوليوودي، فكتب تقريراً افكاره تستند الى سيناريو خيالي – قامت بتمويله وانتاجه شركات النفط والسلاح، وقام مخرج ارعن بتحويله الى ارض الواقع..
وربما سوف يكون هناك، ما ندري جيداً ولانشك لحظة انه موجود، لكن لأسباب عديدة لن يكون في التقارير، تلك النجمة السداسية، وذلك الشمعدان اليهودي الشهير، الذي يلم الاطراف، ويحيك الخيوط، سيكون رئيس مجلس ادارة شركة السلاح يهودياً – لن يقول ذلك احد في الصحافة، وسيكون سبعة من اصل عشرة من اعضاء مجلس [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] يهود كذلك. ولن يقول احد هذا ايضاً..
وستكون شركة النفط العملاقة يهودية بالمال والنسب والمصاهرة، لن يقول احد ايضاً، ان الشبكة الاعلامية ستكون غاطسة تماماً –حتى [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] رأسها- في المال اليهودي والفكر اليهودي وحتى [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] اليهودي..
.. وسيكون مدير الحملة الانتخابية يهودياً. ومستشار [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] يهودياً. وسكرتير الرئيس يهودياً. ومدير مكتبة كذلك. ونائبه ومساعد نائبه.
وستكون عشيقته يهودية، وعشيق زوجته سيكون كذلك.
أن احداً لن يقول ذلك.
لكننا نعرفه.
****************
وبعد بضعة سنوات من الآن سيكون ذلك على الصحف..
وستحدث ضجة كبيرة. وسيكون سبقاً صحفياً يحسب للصحيفة التي اوردته، وللصحفي الذي اعده..
وستتناقل الوكالات التقرير وتزيده وتعلق عليه – وسيحدث الامر ضجة كبرى، وسيتحدث تحقيقُ ما، وسيستقيل واحد او اثنان من الاسماء التي سترد في التحقيق- ككبش فداء- من اجل الحفاظ على ماء وجه الديمقراطية-سبحوا لمجدها..
.. ورغم اننا نعرفه من الآن. إلا ان الامر سيكون مؤلماً جداً، ومحزناً جداً.
سوف يكون مؤلماً – ولو بعد سنين – ان تعرف بالتحديد اسم الشخص في شركة النفط او شركة السلاح الذي دفع مالاً ليقتلك او يقتل اولادك.
سوف يكون مؤلماً جداً ان ترى صورته وهو يبتسم على صفحات الجرائد وستذكر شفاهاً غادرتها الابتسامة الى الابد، وعيوناً سكنتها الدموع الى الأبد..، و وجوهاً ما عادت تبتسم او تبكي، لأن اصحابها ببساطة، قد قتلوا تحت القصف.
.. انك تعرف طبعاً ان [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] ان يكون هناك احداً ما قد فعل ذلك. لكن ان تعرفه تحديداً، وان تعرف اسمه، وترى صورته، سوف يكون امراً مختلفاً جداً .. سوف تذكر الاشلاء الممزقة. والوجوه المحترقة. وجثث الاطفال الملقاة في الشاحنة.
.. وسوف تذكر جثث الآخرين الملقاة في الشوارع التي تحولت لتصير جبهات قتال وساحات معارك. وسوف تذكر كيف تركت في العراء، دون ان يأتي احد ليخليها ويدفنها، وكيف انها تفسخت وفاحت رائحتها، وكيف ان قلوب امهات اولئك الشهداء ولابد كانت تتفطر من شدة الترقب والانتظار – من اجل خبر من اولئك الراقدين في الشوارع-..
سوف نذكر ذلك كله، وانت تقرأ الخبر – فتعجز عن الحياد- وترى الحروف وهي ترمي [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] الرصاص وتطلق لذاكرتك للعنان..
.. وعندما تعرف الرقم الذي دفعوه من اجل ان يتم ما تم، ستستقله وستسترخص نفسك، لقد باعوك وباعوا اولادك واولاد اخيك واولاد وطنك بثمن بخس، دراهم معدودة
-حتى لو بلغت عدة ملايين- .
ستتأمل في الصورة اكثر. وفي الاسم اكثر. [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] قبض الثمن هل فكر فيك وفي اولادك ؟ هل لديه اولاد ؟ - هل يحبهم ويقلق عليهم كما تفعل تجاه اولادك ؟. لعله فعل ذلك من اجلهم ؟ ومن اجل تأمين مستقبلهم ؟ - هل انبه ضميره – وهو يشاهد آثار [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] والقتلى الاطفال والاشلاء الممزقة – ام انه اشاح بوجهه متقززاً واعتبر ان الموضوع لايعنيه ولا يهمه- ..
ستمتلئ بحقد لا حدود له. حقد لا [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] له. حقد لا امل في اخفاقه. (وسيجد البعض الحل والعلاج لهذا الحقد بأن يكون وقوداً لعملية استشهادية..).
نعم، ستمتلئ حقداً وقهراً وانت ترى الصورة وتقرأ [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] وتعرف الرقم، لكن لا تكن مغفلاً – فلا تصدق اكثر من اللازم. إذا وجدوا للحكاية كبش فداء يلبسونه التهمة، فلا تكن خروفاً يصدق كل ما يقال له..
أنه صدام الحضارات يا صاح. السيناريو ثابت. لكن التفاصيل قد تتغير.
الاستراتيجية ثابتة، لكن التكتيك قد تغير.
ان لم يكن هذا الاسم وهذهِ الصورة وهذا الرقم – فسيكون آخر- فقط التفاصيل ستتغير. صدام الحضارات سيظل [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] هو.
****************



 
 توقيع : دمعة الم







قديم 01-10-2012, 06:06 PM   #5


الصورة الرمزية دمعة الم
دمعة الم غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 32070
 تاريخ التسجيل :  Oct 2007
 أخر زيارة : يوم أمس (08:06 PM)
 المشاركات : 18,100 [ + ]
 التقييم :  303

قـائـمـة الأوسـمـة

افتراضي



صدام الحضارات إذن ؟!
اعترف، [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] سمعت بالمصطلح للمرة الاولى – قبل عدة سنوات- وبدءت اقرأ عنه، وتابعه، واصطفت الكتب الصادرة عن الموضوع في مكتبتي بين مؤيد ومعارض، ومصفق ومندد للنظرية، لم اكن اتصور قط، ان الامر سيخرج [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] الالواح الحجرية القادمة من مجلة الشؤون الخارجية – القريبة من مصادر صنع القرار في الولايات المتحدة، كما يقولون- لتصير واقعاً حياً اسمعه بوضوح كما اسمع هدير الطائرات المعادية والمستفزة فوق بيتي الان في هذهِ اللحظة بالذات.
كل المثقفين، عرباً ومسلمين وغير ذلك، سمعوا عن صدام الحضارات، ربما جلسوا [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] المقاهي يتحدثون، وادلى [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] منهم بدلوه في الموضوع، فهذا ايد وجاء بشواهد، وذاك عارض وجاء بشواهد مناقضة، وربما كتب بعضهم مقالات في الموضوع، فالامر هين والدخول فيه لايمر بحقل الغام كما معظم المواضيع الاخرى – ثم انه صرعة وموضة والكل يتحدث عنها الان سلباً او ايجاباً.
نعم كلهم سمعوا بصدام الحضارات

أما نحن، فقد سمعنا صدام الحضارات، سمعنا صدامها حرفياً. بآذاننا. سمعناها تصطدم فوق رؤوسنا، وتتناثر شظاياها [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] اسطح منازلنا، وابواب بيوتنا، سمعناها تحترق حاجز الصوت لتخرق آذاننا، وتستفز كرامتنا، وسمعناها ترتطم ببعضها البعض – وكان صوت اصطدامها عالياً يسمع من به صمم، ووضعنا اصابعنا في آذاننا بعض الاحيان، وتراكضنا هاربين على السلم في احيان اخرى، وجمدنا في سكون من هول بعض الاصوات- ولم تتحرك سوى شفاهنا في [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] بالنجاة والستر..
.. الكل سمعوا بصدام الحضارات. نحن سمعناها تصطدم، سمعناها فقط ؟ . [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] . بل رأيناها وهي تصطدم..
رأيناها. رأينا الرعب في عيون اطفالنا. ورأينا الذل المرهق في عيون الرجال، ورأينا الاستسلام في عيون النساء، ورأينا الصدى الفارغ في عيون الموتى المجهولين – على أرصفة الشوارع..
رأينا السيارات المحترقة – والجثث المتفحمة..
- وكل ذلك كان اسمه – بالمختصر- صدام الحضارات..
**********
0. في الحقيقة انني لا اعتقد ان اياً من خالاتي يعرفن هنتنغتون – المنظر الاساسي لفكرة صدام الحضارات- أني اعتقد ان الكبرى منهما قد سمعت به بشكل عابر، عبر تنقلها المستمر بين محطات الاذاعة التي تدمن سماعها، ولو ان حتى مسألة السماع لهذه لا يعول عليها مع خالتي، اذ ان سمعها عموماً لا يعتمد عليه.
كانتا معاً تعيان وتدركان المغزى مما يحدث من هذهِ الحرب وهذا القصف، كانتا تعرفان – رغم النفط ورغم اسلحة الدمار الشامل المزعومة ورغم هدف تغيير النظام- ان الهدف الاساسي من ذلك [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] القيم، هو الحجاب الذي فوق رؤوسهن وفوق رأس زوجتي ..، هو كتاب الادعية الذي لاتتركه واحدة منهما، هو صلاتهما، والحلال والحرام الراسخ في تفكيرهما..
كانت تعيان ذلك ببساطة مذهلة، بفطرة اصيلة، دونما ايدلوجيات. دونما شعارات او خطابات. دون ان يعرفن هنتغتون او يقرأن عنه او يسمعن بالردود عليه..
دون تنظير فكري، او ندوات، او مظاهرات ضد العولمة، كانتا – في الجوهر، في العمق، واعيتان الى ما ان يدور حولهما وبهما – ربما منذ عقود- كان يقصد دينهما قبل كل شيء- وبعد كل شيء.
رغم ان سمعهما – كعضو وكحاسة- لم يكن كما يجب، لكن اذنيهما كانتا وعيتان للحقيقة : ان الاصوات التي كانت تنفجر فوق رؤوسنا، واصوات الطائرات وهي تقصف، واصوات الصواريخ وهي تنفلق وتنشر شظاياها على سطوح البيوت – كانت في الحقيقة اصوات صدام الحضارات.
صوت اصطدامها ببعضها البعض، صوت حضارة وهي تغتصب حضارة اخرى، صوت حضارة وهي تمتطي حضارة اخرى – بكل قيمها ومعتقداتها وموروثاتها، صوت اختراق الطائرات لحاجز الصوت في سمائنا كانتا تسمعانه كاختراق لغشاء العذرية في افكارنا ورؤانا.
واعيتين كانتا لذلك، ببساطة مذهلة، بتلقائية مدهشة، لم تكونا تولولان [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] القصف بسب هذا الطاغية او ذاك [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] من الاسماء التي تعودنا ان نعتبرها كشماعة نلقي عليها باللوم لما يحدث..
كان الامر بالنسبة لهما – امرأتان في العقد الثامن من عمرهما- شديد الوضوح، شديد الشفافية..
لا اسماء هناك لنلقي باللوم عليهما..، لا نفط، لا دمار شامل صدام الحضارات، لا ايدلوجيات، لا هنتغتون.. انه صدام الحضارات..
رغم انهما لم تسمعا بهنتغون، الا ان ذلك لا يجب ان يعد كأشارة في إلى كونهما بسيطتي التعليم..
فالكبرى منهما، تخرجت في اواخر الاربعينات من دار المعلمين العالية في بغداد، - وهو ما يعادل بكالوريوس تربية في الحالي، وتخرجت الاخرى في اوائل الخمسينات من كلية الحقوق، وان تحصل فتاتان، في منتصف القرن الماضي، على شهادة جامعية، هو امرُ كان ولايزال يذكر..
اتأمل حياتهما، فارى فيها انعكاساً لحقبة تحولات مهمة عصفت بالمجتمع العربي عامة، والعراقي خاصة..
كان انتماؤهما الطبقي يجعلهما تنتسبان للارستقراطية الاقطاعية اذا جاز لنا ان نقبل بوجود تقسيم كهذا، لكن هذا الانتساب لم يجعلهن اسيرات لطبقتهن..
فرغم ان والدهن كان وزيراً في العهد الملكي –كما ذكرت- ورغم انه شمل بقانون الاصلاح الزراعي ] وهو التعبيرالمخفف لحقيقة انه كان اقطاعياً[، الا ان مشاعرهن كانت دوماً مختلفة عن وضعهن الطبقي..
.. ففي حركة رشيد عالي الكيلاني مثلاً، في مطلع الاربعينات، وعندما قام المذكور بحركة انقلابية على الحكم الملكي والاحتلال البريطاني، تأججت المشاعر الوطنية عندهن، ورغم ان والدهن كان قد اعترض على المشاركة في الحركة عندما طلب اليه ذلك كوجه سياسي معروف، إلا ان بناته كلن لديهن رأي آخر، وقد ارسلت الكبرى منهن برقية تأييد الى زعيم الحركة (الموت ولا الخضوع للعدو الغاشم) ، اذيعت في الاذاعة ضمن برقيات اخرى، وكان رشيد عالي يباهي والدهن بتلك البرقية، بينما كان جدي يرد عليه بأن عواقب المشي خلف آراء طالبات الصف الاول المتوسط ستكون وخيمة..
.. وقد كانت وخيمة فعلاً. فقد فشلت الحركة واعدم القادة العسكريين وبعض المدنيين وفرِّ رشيد عالي هارباً الى ايران..
لكن المشاعر ظلت متأججة. وبعد بضعة سنوات جاءت قضية فلسطين لتصب الزيت على نار المشاعر – كتبت خالتي نفسها بدلاً من البرقية مجموعة خواطر وربما بضعة قصائد، وذهبت للتبرع بالدم وتسجل اسمها في قائمة المتطوعين- وكان ذلك نزولاً من البرج العاجي الذي يجعل الفتيات في سن خالتي آنذاك حبيسات شغل التريكو والتطريز وتصفح المجلات..
ثم جاءت الخمسينات. وجاء عبد الناصر – حلماً اخاذاً وخيالاً جذاباً : آمال وطموحات لا حدود لها، وطن واحد من المحيط الى الخليج، استعمار يخرج بالقوة، وقوة عظمى تنشأ من هذا الشتات.. كان ذلك هو المد القومي الذي اعتلته خالاتي جميعاً تقريباً، ضاربات بعرض الحائط بحقيقة ان الحكومات طيلة [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] تقريباً كانت ضد هذا المد القومي، وايضاً بحقيقة اخرى هي ان هذا المد القومي كان مصاحباً –الى حد كبير- بأفكار اشتراكية كان [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] ان تأتي –اذا أتت- بتغيرات وتأميمات ستطال اموال والدهن..
لكن –الذي جاء- بدلاً عن المد القومي، كانت الافكار الاشتراكية وحدها دون حلم الوحدة والدولة الكبرى، عبر انقلاب عسكري سيطر عليه الشيوعيون واشباههم وجاءوا بقوانين التأميم والاصلاح الزراعي المتلاحقة التي أكلت من اراضي والدهن الجزء الاكبر.
رغم ذلك، ورغم الاضطرابات السياسية المتلاحقة، ورغم السحل والأرهاب، والسلب والنهب، والاستفزاز الذي تعرضن له باعتبار ان والدهن كان من وزراء العهد المباد – والذي وصل الى حد رمي حبال السحل امام السيارة التي تقلهن كنوع من التهديد والوعيد – رغم كل ذلك، فقد ظللن وفيات للحلم القومي..
لكن الحلم القومي لم يكن وفياً لهن. ولا للملايين الذين آمنوا به، فبدلاً من الوحدة كان التفتت، وبدلاً من الحرية كان الاستبداد، وبدلاً من الطبقة الفاسدة التي ازيحت جاءت طبقة اخرى اكثر فساداً وشراهة.
وعلى صخرة الهزيمة المنكرة وضياع قبة الصخرة انتهى الحلم تماماً وبدءت مرحلة جديدة. كفرن بذاك الرجل الذي كهرب احلامهن في الخمسينات، والذي لاتزال خالتي تحتفظ بكل تسجيلات خطاباته، وبدلاً من الولع والايمان صّار هناك السب والشتم له – رغم انهن يعترفن انهن اجهشن بالبكاء بعد ثلاث سنوات عند موته المفاجئ.
وكما حدث مع المجتمع بأسره، حدث معهن. فبرز التدين أكثر فأكثر، ببطء ربما، لكن برسوخ بثبات.
ولم تبدء الثمانينات حتى كان التدين قد صار العلامة الاكثر بروزاً، والسمة الاكثر حضوراً في حياتهن اليومية..
هل سيقول احد انه التقدم في السن هو الذي حتَّم هذا التغيير ؟.
ربما . لكنه كان تغييراً مصاحباً لتغييرات المجتمع، واستطيع ان اقول بالاستعاضة ان المجتمع ايضاً تقدم في السن، نضج اكثر وبعد أن مرَّ بكل تلك المراحل، الصعود والهبوط، الاحلام والانكسارات، وجد نفسه في العودة للدين.
اتأمل حياتهن، بل وحتى حياة والدهن، فأجد فيها [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] هذا المجتمع بأسره..
كان والدهن ليبرالياً الى حد كبير – انتمى الى جمعية الاتحاد والترقي في بواكير شبابه، ثم هجرها عندما توضحت له اهدافها الحقيقية. لكنه ظل وفياً لحلم الدولة على النموذج الغربي والدستور الغربي..
لم يكن جدي متديناً. هذا صحيح. لكن خالاتي يضفن دوماً انه لم يكن ضد التدين. يعتذرن له بهذا، ويقلن ان الوقت كان مختلفاً..
اعتقد انه في اعماقه كان ممزقاً – واعتقد ان [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابطللتسجيل اضغط هنا] خالاتي له كان صحيحاً الى حد كبير لم يكن متديناً – لكنه لم يكن ضد التدين. كان ممزقاً، كما قلت، وكان ذلك يعني انه لم يحسم الامر : بين عدم التدين – وعدم الوقوف ضد الدين كان هناك خيط رفيع جداً – ظل جدي يتأرجح عليه، واعتقد ان جيلاً بأكمله من مثقفي الحقبة العثمانية المتأخرة كان يتأرجح عليه : لا حسم ولا حزم في هذا الامر. لقد فهموا العلمانية بأنها هذا التردد بين الامرين، فلاهم استطاعوا ان يحسموا امرهم ويعلنوا رفض الدين –ولا هم اقدموا على التدين.. لقد كانوا في ريبهم يترددون..، ولا اريد ان اصدر احكاماً، لكني اعتقد ان ريبهم هذا، وترددهم هذا، سيرديهم فيما لا يشتهون..
اذكر ان والدتي مرة، قالت لي، ان والدها، بعد الانقلاب الذي اطاح بالعهد الملكي، وجاء بالعهد الجمهوري، كان قلقاً جداً من ان يعلن الدستور الجديد الدولة العلمانية –على النمط التركي- كان حقوقياً وقانونياً من الطراز العتيق وكان الدستور يشكل صلب اهتمامه..، وعندما اعلن الدستور، وكان جدي قلقاً ينصت باهتمام الى المذياع، واعلن ان دين الدولة الرسمي هو الاسلام، صاح جدي من الفرح : برا فو!.


يتبع


 
 توقيع : دمعة الم







موضوع مغلق
   
مواقع النشر (المفضلة)
   

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
   
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
كتاب تفسير الأحلام ابن سيرين كتاب إلكتروني مفهرس بامتداد chm للتحميل دموع الشموع نبع لعلم النفس والاجتماع والطب النفسى 3 01-13-2012 08:43 AM
بغداد يا بغداد الاسكندراني نبع للخواطر والشعر 2 11-06-2011 09:36 PM
فكر جيدا وبسرعة فيروز نبع النقاش الجاد والحوارات الهادفة 5 08-31-2011 04:36 AM
قصيده بغداد لاتتألمى ليل الاهلاوى وابوتريكه نبع لعذب الكلام وهمس القوافي 3 05-06-2011 10:07 PM
لتحميل الفيديو من النت الانترنت بكل سهولة وبسرعة فائقة برنامج فيديو دونلودر hamada نبــع لبرامج الكمبيوتر والأنترنت 1 12-08-2010 11:53 PM


Loading...

   
   

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
new notificatio by 9adq_ala7sas
HêĽм √ 3.1 BY: ! ωαнαм ! © 2010